الشيخ محمد النهاوندي
67
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ينافي ضمانه تعالى لحفظه ، لأنّ كلّ آية منه قرآن ، ومحو شيء منه مادّة أو كيفيّة محو للقرآن . وتقريبه ببيان أوضح : أنّ اللّه تعالى فضّل دين الإسلام على سائر الأديان بوعده بظهوره على الدّين كلّه ، ومن الواضح أنّ ظهور هذا الدّين المبين بظهور القرآن المبين ، وهو ببقائه بين النّاس محفوظا من التغيير والتحريف والاندراس والانطماس ، فلذا تعهّد سبحانه وتعالى بحفظه من جميع ذلك ، وفضّله على سائر الكتب السماويّة بضمان صيانته من كيد المعاندين ودسّ الملحدين ، ولم يكن منه تعالى هذا التعهّد والضّمان في سائر الكتب ، ولذا وقع فيها التحريف والتغيير ، وسقطت عن الحجّيّة والاعتبار كسائر الأديان ، فلو قلنا بوقوع التحريف في القرآن - ولو من جهة الترتيب - لنافى الضمان منه تعالى ، وارتفع بمزيّته على الكتابين وفضيلته من هذه الجهة من البين . إن قيل : حفظه تعالى النسخة التي جمعها وكتبها أمير المؤمنين عليه السّلام وأودعها عند أوصيائه المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين وبقاؤها عند خاتمهم إلى الآن ، وإلى آخر الزمان ، كاف في الوفاء بالعهد وأداء الضّمان . قلنا : ليست هذه الدرجة من الحفظ مزيّة وفضيلة له ، لكونها مشتركة بين القرآن وسائر الكتب السّماويّة ، حيث إنّ من المقطوع أنّه كانت نسخة واحدة غير محرّفة من سائر الكتب محفوظة عند الأنبياء والأوصياء ، ولعلّها من مواريثهم الموجودة الآن عند خاتم الوصيّين ووارث علوم الأنبياء المرسلين عجّل اللّه فرجه ، فلا يكون وجود هذه النسخة الصحيحة غير المحرّفة منها الذي يكون كوجودها في اللوح المحفوظ مزيّة وفضيلة للكتاب الكريم . قال في ( كشف الغطاء ) « 1 » في كتاب القرآن ، المبحث الثامن في نقصه : لا ريب أنّه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الدّيّان ، كما دلّ عليه صريح القرآن ، وإجماع العلماء في كلّ زمان ، ولا عبرة بالنادر ، وما ورد من أخبار النقص تمنع البديهة من العمل بظاهرها ، إلى أن قال : فلا بدّ من تأويلها بأحد وجوه « 2 » . وعن الشيخ البهائي رحمه اللّه في تغيير القرآن ، قال : والصحيح أنّ القرآن العظيم محفوظ عن ذلك ، زيادة كان أو نقصانا ، ويدلّ عليه قوله تعالى : وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 3 » وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم
--> ( 1 ) . للشيخ جعفر المعروف بكاشف الغطاء المتوفّى سنة 1228 ه . ( 2 ) . كشف الغطاء : 298 . ( 3 ) . الحجر : 15 / 9 .